مصر و العروبة
شرقاوي حافظ
كتبه
شرقاوي حافظ، شاعر و مترجم
في منشور لي ناديت بالاعتزاز بمصريتنا وليس عيبا إطلاقا أن نعتز بالحضارة المصرية القديمة! ورغم ذلك هناك من تشدق بقوله ‘والعروبة، القرآن عربي ‘ وكأني أقمت مفاضلة بين القرآن والمصرية! وهم لا يدركون مدى اعتزاز الفرس في إيران بماضيهم أو ماليزيا أو باكستان أو اندونيسيا وغيرها من البلدان الإسلامية! بل أن الخوميني بعد الثورة الإيرانية المتشددة جدا جدا لم يناد باعتناق اللغة العربية لأن القرآن نزل بها! ولم يفعل أحد ذلك.
فإذا كان عبد الملك بن مروان فرض اللغة العربية فلم يرد في أي مرجع أن الرسول أو أحد من الخلفاء نادى بذلك بل كان مصعب أول مترجم ! ولم يرد في أي مرجع أن هناك فرضا لمن يعتنق الإسلام أن يعتنق العربية لغة! والأمر أيضا الغريب هو ربط اللغة العربية بالقرآن! وليس القرآن باللغة! وهناك فرق فاللغة العربية أسبق من القرآن بل وهناك ترجمات للتوراة والانجيل للعربية أسبق من القرآن وإلا كيف نصارى نجران ويهود المدينة؟
فليس الاعتزاز باللغة العربية دليل إيمان أو دين، فكل الكفار قبل الإسلام اعتزوا باللغة العربية! وهذا هو مربط الفرس كما يقولون! أو من هنا تبدأ القضية فلقد مرت العروبة بأربع مراحل لنوعين من العروبة النوع الأول هو الجاهلية التي نبذها الدين الإسلامي تماما ‘ لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى‘ والغريب أن هذا الحديث ينتشر جزؤه الأول فقط دون الثاني وهو لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود لكي يوحي بأن هناك أفضلية أساسا لهذا وذاك! ويقول تعالى ‘إن أكرمكم عند الله أتقاكم‘
وقال الرسول (ص) نابذا التعصب ‘اتركوها فإنها نتنة‘ بل وذم أحد الصحابة إن فيك جاهلية .... وحمية الجاهلية وغيرها من السور ‘سورة الفتح والحجرات كمثال‘ وكثير من الأحاديث. وهذه الفترة حاربها الرسول مبقيا على الأفضل منها! وسادت الفترة الجديدة لمفهوم الأفضلية والعروبة أيام الرسول والخلفاء الراشدين تقريبا. ولكن ما إن بدأت فترة حكم بني أمية حتى صدروا الفترة الجاهلية الأولى ودسوها دسا في الدين ومنها أن أمر عبد الملك بفرض اللغة العربية وأفضلية العربي على غيره والتحيز الأعمى لكل ما هو عربي وهذه الظاهرة كانت في أبشع صورها في مصر!
واستمرت هذه الفترة حتى ما يسمى بالخلافة العثمانية التي ألغت اللغة العربية وبدلت الأفضلية لكل ما هو عثماني! ثم جاءت الفترة الأخيرة وهي التي أراد روادها الرجوع لفترة الرسول (ص) أي اعتناق الدين الإسلامي واللغة العربية دون أفضلية أو تعصب وحرية العبادة وكانت مصر رائدة في هذا ومعها معظم الدول العربية والآن تقريبا كل الدول العربية تنحو نحو ذلك ويكفي إلغاء ما يسمى بالكفيل في بعضها.
وهذه هي الفترة التي يجب أن نعتز بها اعتناق الدين كل حسب ما يرغب والتحدث باللغة العربية لأنها لغة جرت مجرى الدم ولها من الرقي والميزات ما يجعلها كذلك والالتفاف حول العروبة بمفهومها الحديث ليس الجاهلي ولكم ينادي بالأخير بعض الجهلاء والمتشددين ظانين جهلا أنها هي الإسلام! بل هي التي أنتجت طالبان والقاعدة وداعش وأدت إلى تشويه الدين السمح في كل بقاع الأرض! إلى أن أصبحت كلمة مسلم مرادف للهمجي القاتل (وهذا موجود بالفعل في العامية الأجنبية دون الرسمية)
وأصبح مفروضا علينا أن نعتز بكل ما هو جاهلي! أليس عنترة جاهليا؟ فكيف ندرس قصته طوال هذه السنين معتزين به وإذا تحدثنا عن أحمس أو تحتمس أو رمسيس أصبحا متعصبين للكفرة؟ وكأن عنترة كان إمام المؤمنين! بل وصارت مناهجنا تتجه نحو هذا التخلف الفكري والقتل والخيانة والعصبية فما الذي يخرج به التلميذ من سلسلة الدم والخيانات في قصة ‘طموح جارية‘
وما الذي يفيد الطالب من قتل بيبرس لأعز أصدقائه قطز في رواية ‘واإسلاماه‘ بل الأبشع ما فعلوه في المسلمين في ذات الرواية! إنها غيبوبة فكرية مرت بها مصر وأرى أنه آن الأوان لكي نفيق. لذلك أردد ما قاله جمال حمدان بأني مصري وأبي عربي (العروبة المتحضرة) جدي مصري قديم ولا ننسى أن لمصر تاريخ طويل مر بالمصرية القديمة واليهودية والمسيحية فلا تبخسوا الناس أشياءهم!
إرسال تعليق