ورشة الزيتون .. مكان احتضن الجميع
صبحي موسى
كان منتصف التسعينات بداية علاقتي بالقاهرة، وكانت القاهرة موزعة ثقافيا بين ثلاثة أو أربعة مراكز ثقافية حسب رؤيتي وقتئذ، في بدايتها كان أتيليه القاهرة لقربه من المقاهي الثقافية في وسط البلد، ثم ورشة الزيتون ذائعة الصيت، والتي تأخر ذهابي كثيرا إليها لبعدها المكاني عن محيط عملي أو سكني، لكن أصداء ما كان يجري بها كانت تصل إلينا على زهرة البستان، فالذين يحضرون يقولون للذين لم يحضروا، ولأنني لست منخرطاً في شلة واضحة فكان الحديث يجري أمامي بصيغة الشفرات السرية، وكأن أمرا جلالا وقع، مما يزيد من فضولي ورغبتي في معرفة ما جرى، وهذا بطبيعة الحال باعد بيني وبين الورشة بوصفها مقر تجمع ومناقشة آلهة الأوليمب الذين لا أنتمي إليهم ، لكنه أيضا عظم من قدرها ومكانتها لدي.
بحكم عملي في الصحافة الثقافية كان علي أن أتابع ما يجري من أنشطة، وكان أتيليه القاهرة هو الأقرب بالنسبة لي، خاصة وانه مع نهاية التسعينات ومطلع الألفية كان ثريا بالندوات المهمة، لكن ورشة الزيتون فرضت نفسها بقوة على خريطة المتابعة، نظرا لما يبذله قائدها الأول الشاعر شعبان يوسف من نشاط فيها، فقد تمتع بذكاء صحفي واضح رغم كونه ليس ممن تربوا في ردهات هذه المهنة، كان ذكاؤه يحتم عليه الانتباه لكل ظاهرة أو يمثل ظاهرة، سواء من كتاب وشعراء الستينيات أو حتي الشباب الذين لمع نجمهم وقدموا ما يستحق مناقشته، ولم يكن يتأخر في دعوته أي منهم لمناقشة عمله، الورشة كانت مركزا مؤثرا بالنسبة للمثقفين الجالسين على زهرة البستان وغيرها، حيث يتابعون ما يجري بها اسبوعيا، حريصين على أن تقام ندوات لمناقشة أعمالهم الجديدة، وكانت مناقشة بها بمثابة ميلاد تعميد ثقافي للعمل، حرصت كانت الأسماء سواء الكبيرة أو الصغير، وسواء العربية أوالمصرية على الحضور، وكان ذلك بالنسبة لأي صحفي مصدر إلهام كبير، فالصحافة تبحث عن متابعة النجوم، وما أكثرهم في ورشة الزيتون، ومن ثم كان ذكاء القائمين عليها ليس في المعرفة الثقافية فقط ولكن في صناعة هذه الخلطة المثيرة والجذابة والمدهشة.
في منتصف العقد الأول من الألفية تحولت المراكز الثقافية في مصر إلى جماعات ضغط سياسي وثقافي، كانت دار ميرت التي لمع نجمها بقوة صاحبة حقوق ملكية هذه الخلطة الجديدة، لكن ورشة الزيتون، رغم أنها تعقد في أحد مقرات حزب التجمع، فضلت إلا تنخرط في هذه الصيغة، وظلت عند حدود العمل الثقافي، واستيعاب الأجيال الجديدة، ومناقشة الأفكار والظواهر الثقافية، واستقبال الشباب والآباء أو الشيوخ، وكان لها مشايخها الأساسيين كالراحل العظيم فخري لبيب، ونقادها الكبار أمثال إبراهيم فتحي وصلاح قنصوة وعبد المنعم تليمة وغيرهم، لكنها ظلت أيضا مكانا لاحتضان الجميع.
بعد ثورة 25 يناير تغيرت الأمور كثيراً، وأصبحت ورشة الزيتون واحدة من مراكز سعي الدولة لإرضاء المثقفين، والورشة نفسها أحدثت تحولا في فكرتها، فبدلا من أن تظل خارج مثلث الشر الثقافي في وسط البلد قررت أن تدخل إلى أعماق أعماقه، حيث عقدت ندوات لها في المجلس الأعلي للثقافة، وانتقلت بروادها ومحبيها إلى الردهات الباردة للمجلس، وبدا لي أن هذا تقارب مفيد للسلطة أكثر منه للورشة، وأن ما اكتسبته الأخيرة طوال كل هذه السنوات باستقلالها وبعدها المكاني ستفقده بدخولها الردهات الباردة والبوابات الزجاجية اللامعة.
بطبيعة الحال كانت نفسي كغيري من المثقفين تحادثني بالرغبة في إقامة ندوة لأي من أعمالي في ذلك المعقل الثقافي العريق، فهي أحد مراكز التعميد الثقافي في القاهرة، ومن خلالها ظهرت العديد من الأسماء سواء من الكتاب والشعراء المصريين أو العرب، لكنني كنت أخجل من أن أطلب ذلك لنفسي، وكلما مازحني الصديق الشاعر شعبان يوسف بأنه يريد اقامة ندوة لي في الورشة، كنت اقول "أنا نفسي والله"، لكن يبدو أنه لم يصدق، واستمر هذا الأمر على هذا النحو حتى وجدته ذات مرة يقترح علي إقامة لقاء مفتوح معي في الورشة، بدا الأمر أكبر مما حلمت به، فضحكت ثم وافقت على الفور، ووجدت احتفاء مدهشاً منه ومن الروائي الصديق د. محمد ابراهيم طه، وغيرهما من الأعضاء الأساسيين للورشة، وهو الأمر الذي تكرر مع الكثيرين ايضا.
أكتب شهادتي ألآن عن ورشة الزيتون وأنا أفكر في أنها لم تعد مكانا يخص القائمين عليه فقط، ولا حتى حزب التجمع الذي يحتضنها منذ إنشائه، فعلى كثرة ما يجري في الحزب من أنشطة ثقافية ليل نهار إلا أن أي منها فشل في أن يستمر بانتظام على مدار أربعين عاما، ولولا وجود كتيبة من المخلصين للورشة ورسالتها لتوقف نشاطها منذ سنوات، وهو يفرض علينا ونحن نحتفي بمرور أربعين عاما على بدء نشاطها نطالب بمراجعة ما حققته من مكاسب وخسائر خلال هذه المسيرة الطويلة كي تتواصل النجاحات وتتلافي الأخطاء، أملين في تحويل الورشة إلى كيان ثقافي أهلي مستقل، بما يؤهله للبقاء كمؤسسة أهلية وليس مجرد نشاط يحرص على إقامته عدد من الكتاب والمثقفين الكبار.
إرسال تعليق