«مقهى العهد الجديد»
قصة محمد فايز حجازي
قل لي بربك، توقف وقالها لصديقه بغتة:
- أتتذكر! المقهى!
أجاب صديقه بدهشة:
- أتذكره بكل تأكيد! مقهى الجمهورية بشارع محمد علي، كيف أنساه وقد أمضينا فيه أجمل أوقات عمرنا!
- نفس المقهى، في نفس الشارع ونفس الموقع ولكنه يبدو مختلفًا، مختلفًا تمامًا!
اتسعت عينا كل منهما كأنهما يسترجعان مشاهد الماضي بناظريهما، ويحدقان إلى الذكريات فيشاهدان نفس الشيء.
قبل اليوم بثلاثين عامًا تقريبًا، كان آخر لقاء بينهما، وكانا هنا معًا.
اليوم التقيا صدفًة، كان اللقاء غريبًا وخياليًا للغاية، فقد التقيا في نفس المكان الذي اعتادا أن يلتقيا فيه، أمام مسجد أحمد بن طولون، بل وفي نفس التوقيت، بعد عصر يوم الخميس كما كانا يفعلان كل أسبوع.
كانت مقابلات يوم الخميس من كل أسبوع، شبه ثابتة بين الصديقين مذ كانا أطفالًا، منذ أن صار بمقدورهما أن يخرجا من منزليهما منفردين.
تصادقا في مدرسة سبيل أم عباس الإعدادية، ثم مدرسة علي مبارك الثانوية بالحلمية الجديدة. كانا يتواعدان في أيام الدراسة وفي العطلات الصيفية على حد سواء، اعتادا في أيام الدراسة بعد أسبوع شاق من الحصص نهارًا والمذاكرة ليلًا، أن يكافئا نفسيهما بنزهة الخميس التي يستمتعان فيها معًا بنسيم القاهرة القديمة.
وكذا في العطلات الصيفية، بعد أسبوع من العمل المُضني، الذي يعينهما على الوفاء بمتطلباتهما ومساعدة أسرتيهما الفقيرتين، يتجولان في شوارع وحارات القاهرة الفاطمية، يغتسلان أمام أسبلتها العتيقة ومساجدها القديمة من هموم الدراسة ومشقة الحياة.
كانت جولتهما تبدأ -غالبًا- في الرابعة عصرًا، من أمام مسجد أحمد بن طولون -تمامًا كما حدث اليوم صدفًة- كموقع مشترك بين منزليهما، حينها تبدأ الجولة، بشرب كوبين مُثلجين من عصير القصب من المحل الشهير أمام المسجد، ثم يبدأ نقاشهما في الفن والأدب والشعر، وهما يسلكان شارع الصليبة في اتجاه قلعة محمد علي، فتارة يستعرضان إبداع سيد حجاب في أحدث تترات مسلسلاته، وكيف يتلاعب بمفردات اللغة، وقاموسه الشعري المُميز، وكيف أبدع عمار الشريعي في صياغته اللحنية، وكيف تتوافق الجمل الموسيقية مع كلمات المقدمة والنهاية.
وتارة يتأملان إحدى قصائد نزار قباني التي شدا بها العندليب، وكيف كان محمد الموجي موفقًا في التعبير عن معاني القصيدة.
وأخرى يتحدثان عن آخر قراءتهما الأدبية أو التاريخية.
وفي تلك الأثناء كانا يمران في شارع الصليبة، على مسجد تغري بردي
الرومي وسبيل أم عباس على التوالي، ثم يعرجان إلى قصر الأمير طاز وبعده سينما يوسف بك وهبي في الحلمية الجديدة.
فكانت تلك الأجواء تضفي على حديثهما عبقًا أصيلًا يسري مع دمائهما، ومنظرًا فريدًا يأسر ناظريهما.
أثناء جولتهما كانا يتوقفان عند محل عم سيد بلبل، يجلسان ليأكلا طبقين كشري لا نظير لهما في المحروسة، مُزدانين بورود التقلية، والصلصة الحارة.
كانت رائحة الكشري الشهية تداعب -من فرط شوقهما- أنفهما طوال أيام الأسبوع شوقًا للحظة اللقاء، وقد كان محل عم سيد بلبل يقع مباشرةً، قبل مسجد تغري بردي الرومي، في موقع ساحر يضفي جمالًا ولذًة على أطباق الكشري الشهية.
ثم تنتهي جولتهما كل مرة، باستراحة ماتعة يلعبان فيها الشطرنج، بمقهى الجمهورية بأول شارع محمد علي، من ناحية مسجد السلطان حسن، حيث يستمتعان بجلستهما علي أنغام الراديو الضخم، القابع على الرف الخشبي السميك، المثبت في الحائط أعلى كرسي المعلم رضا صاحب المقهى، الذي دائمًا ما كان يضبط مؤشره على محطة أم كلثوم.
كانت الست تبدأ شدوها، يليها عبد الوهاب وفريد ونجاة ثم العندليب، الذين كانت صورهم تزين جدران المقهى العتيق.
وكانت الأغنيات على اختلاف ألوانها مُحملة بعبق المكان الفريد وعبير الزمن الحبيب.
اليوم وبعد هذا الزمان الطويل، وبعد أن حالت بينهم وبين جولتهم المُفضلة، تصاريف القدر وتدابير الحياة، كان اللقاء وكانت الجولة الجديدة.
لم يشربا القصب كعادتهما، فلم يكن هناك محل القصب، ولا عم سيد بلبل بل واختفى محل الكشري من الأساس.
رحلت كل التفاصيل الصغيرة والجميلة في طريقهما، وتوارت أحاديث الزمن البعيد.
سارا كتائهين بتؤدة صامتة وهدوء جنائزي حزين، تحدوهما الشجون في شوارع بدت أضيق وأصغر، وتحت مآذن وأسبلة ومبان تاريخية كانت هائلة عملاقة أمام ناظريهما في الزمان المنصرم.
عندما وصلا إلى المقهى، حدق كل منهما إلى الآخر دهشةً ليقول أحدهم:
- نعم، مختلفًا، انظر إلى اللافتة، لقد تغير اسم المقهى ليصبح مقهى العهد الجديد.
- باب المقهى أيضًا كان أكبر، أكبر بكثير، أكبر وأجمل تزينه نقوش الأرابيسك البديعة ذات الألوان الخلابة، وليست تلك الرسومات البسيطة والساذجة.
- هذا الشباك هناك على الحارة الجانبية يبدو أصغر كثيرًا، بل وقبيحًا أيضًا.
ذهبا داخلين يتحسسان المكان، كما لو كانت تلك هي المرة الأولى التي يريا فيها المقهى من الداخل.
لا صور ولا راديو ولا رف خشبي، ولا حتى رواد يلعبون الورق ويتسامرون، أو أصدقاء يجتمعون ويتندرون كما كان في السالف، بدا المكان كما لو كان مهجورًا حزينًا.
فقط على إحدى الحوائط الجانبية كانت هناك مرآة، غزتها بقع صفراء كبيرة وكثيرة في كامل مساحتها، تذكراها على الفور، طالما وقفا أمامها وهما يعدلان من شعرهما أو قمصانهما.
سألا النادل المُسن الذي أتى لخدمتهما بخطوات بطيئة، كخطوات الفيل لا حماس فيها:
- ألم يوجد باب غير هذا الباب في يوم ما!
- لا يا سيدي، لم يوجد.
- أكان هذا الباب!
نظر كل منهما إلي لآخر مندهشين. ثم قالا للنادل المسن:
- لكن يوجد هنا تغيير ما!
قل لنا، في السنوات المنصرمة، هل قمتم
بتجديد الباب أو إعادة هيكلته؟
- لا يا سيدي.
- شيء لا يصدق... هكذا كان دائمًا!
- هكذا كانت دائمًا.
جلسا على كل حال تحت المرآة، وطلبا قدحين من القهوة، وعندما أحضر النادل القهوة، استجوباه ثانيةً.
- وأين هي المرآة الضخمة والسميكة التي كانت على الجدار؟ (وبأيديهما وذراعيهما بيَّنا إلى أي حد كانت عملاقة).
- هنا لم توجد غير تلك المرآة أعلاكما.
- عجيب!..
(قالاها وقد بلغت منهما الدهشة مبلغًا عظيمًا).
كانت المرآة عديمة الذوق، محاطة بإطار حديدي مشبك مدهون باللون الأخضر، حملقا إليها وهما يتلويان من الألم،
لأنه وبكل ما في الكلمة من معان، آلمهما مثل هذا الارتحال الخاص بالبعد الزمني، حملقا إليها كما لو كانا يحملقان في حلم، كما لو كانا يحملقان في أيام صباهما.
لم يتعرفا عليها ولم يميزانها. فجأة شعر كل منهما أنه قد تقدم في السن وهرم، رأى كل منهما في المرآة تجاعيد وجهه.
قال أحدهما:
- الإنسان يخطىء يا صديقي.. خاصة بعد كل هذا الوقت.. الإنسان يا صديقي يخيب أمله.
رد الآخر:
- نعم، أوافقك، الإنسان يخطىء، هذا عن الموجودات، باب المقهى والشباك والمرآة على الجدار...
ولكن ماذا عن التفاصيل الجميلة في طريقنا إلى المقهى! التفاصيل الجميلة بالفعل! التي انتهت للأبد ولم يبق لها من أثر!
الآن ابتسما.
لأنه في سالف الزمان، بدا لهما المكان جميلًا ورائعًا بل ومذهلًا أيضًا.
ضحكا بشدة من فرط سذاجتهما وقلة خبرتهما، حتى المرآة التي يقتنيها أي منهما في منزله، أجمل من تلك التي ينظران إليها الآن في المقهى.
ليس أصعب على المرء وأقسى، من ذلك الخداع الذاتي ولا الانبهار المُضلل، ذلك النوع من الانبهار الذي يُجمل الأشياء.
من الآن فصاعدًا لم يعد بإمكانهما توقع أي شيء من نفسيهما،ما تبقي من الموجودات، يبدو كما هو بالفعل لم يتغير.
فقط يمكنهما انتظار شيء ما من العالم المُحيط.
لكن ماذا بإمكان العالم أن يعطيهما!
إرسال تعليق