ورشة الزيتون
عمرو العادلي


المرة الأولى التي ذهبتُ فيها إلى ورشة الزيتون كانت بدعوة من الصديق طارق إمام، بعد حضورنا ندوة للصديق المشترك محمد صلاح العزب في وسط البلد اقترح عليَّ طارق المشاركة في مناقشة روايته، وأظن أن هذا كان في عام 2009، لم أتحمس كثيرًا للفكرة في بادئ الأمر، ولكن قلت لنفسي في النهاية "ولما لا أجرب؟" وبالفعل حضرت المناقشة لطارق وكانت رواية "هدوء القتلة" لم أكن قد توغلت كثيرًا في المجتمع الثقافي، وسيرة ورشة الزيتون دائما مصاحبة في الجرائد والمجلات لآراء النقاد، ظننتُ في البداية أنه مكان نخبوي ولا مكان لي فيه، فآرائي عن الأماكن والأشخاص كانت ولا تزال بها مسحة شعبية مُحببة إلى نفسي، وظل هذا التصور بداخلي حتى ذهبت وشاركت في الندوة الأولى، ندوة طارق.
داخلني إحساس غريب منذ الوهلة الأولى، أن الأشياء دائما مختلفة عما تبدو لنا عليه من بعيد، كانت روح الجميع فيها من التواصل العائلي الكثير، وهذا لا يعني المحاباة أبدًا، فقد رأيتُ كُتَّابًا يُنتقدون في الورشة بلا هوادة، لكن تلك الروح جعلت لديَّ رغبة كبيرة في مناقشة أحد أعمالي في الورشة، كان قد صدر لي حديثًا مجموعة قصصية عن دار ملامح بعنوان "جوابات للسما" وهي مكتوبة كاملة باللغة العامية، تجربة غريبة نسبيًا على جمهور الورشة، عرضت النسخ على الأستاذ شعبان يوسف ووافق مبدئيًا على المناقشة، لكنه قال لي يوم المناقشة شيئا لا أنساه أبدًا، قال: "يا أخي أنت شكلك غير كتابتك خالص. اللي يشوفك كده وانت داخل يفتكر إنك رئيس مجلس إدارة شركة الكهربة. لكن كتابتك غير كده خالص" 
ومنذ ذلك اليوم أدركت أن منظري فيه هيبة زائدة وربما ضارة، وكانت ملاحظته حقيقية، أدركت أنني متجهم بعض الشيء، لكنها خلقة، ورغم أن جدية ملامحى غير مقصودة فقد بدأت أعالج هذا الأمر. 
خرجت من الورشة بعد المناقشة وكلي أمل أن أكتب مقالا عن الورشة ويُنشر في جريدة أخبار الأدب، وبالفعل، عندما وصلت إلى البيت، وفي نفس الليلة كتبت المقال، كان اسمه "مفك عم شعبان" رصدت فيه انطباعي عن الورشة وانفعالي بروادها ورأيي فيهم بمنتهى الصراحة، ولكن المقال لم يُنشر لأسباب غامضة، لكن دائما هناك فرصة لقول كلمتك، حتى وأن تأخر ذلك عشر سنوات كاملة.
أذكر أننا كنا نناقش كاتبا من الأقاليم، جاء من محافظة بعيدة ليناقش مجموعته القصصية، وتحامل النقاد عليه بشكل كبير، أو بالأدق، قالوا ما يرونه في النص المُناقش بصراحة بالغة، ويومها رأيت الأستاذ شعبان يوسف يقول للمناقشين: "انتوا بهدلتوا الراجل. يا جماعة النقد مش كده" وبالصدفة البحتة لم يكن الكاتب قد انصرف بعد، دخل الحمام وسمع كل الحوار الذي دار عنه، وكان ذلك إحراجا مضاعفا. منذ هذه الواقعة تعلمتُ شيئا مهما، ارتباط النقد بالوازع الإنساني مهما كان ضعف العمل، فالتجريح لن يفيد أي طرف من الأطراف.
وقد ارتبطت ورشة الزيتون بأسماء، فالمكان لا قيمة له إن لم يرتبط بالبشر، الأستاذ شعبان يوسف الذي أرى أنه وزير ثقافة بلا حقيبة وزارية، لكنه يمارس دوره الثقافي بمنتهى الإخلاص دون انتظار أن يمنحه أحد شيئًا، والدكتور الأديب محمد إبراهيم طه، هذا الرجل أغبطه كثيرًا على مداومته التواجد في الورشة كل أسبوع تقريبا، ومناقشته لأعمال لم يسمع عنها أحد أحيانًا، وفي الوقت نفسه يمارس الطب والكتابة، كم هو مُخلص لفكرته، الأستاذة سامية أبو زيد وهي أيضًا من الحضور المهم للورشة وتناقش مع جمهور الورشة جميع الأعمال تقريبا، والأستاذ أسامة أمين ريان، وهو المتمم لأعمدة ورشة الزيتون. وقد ارتبطت تلك الأسماء في مخيلتي بمكان الورشة العتيق، وقماشة الفراشة المفرودة على منضدة المناقشة الطويلة، والكراسي الخيرزان "قبل استبدالها مؤخرًا بالبلاستيك" وسالم صاحب أجمل فنجان قهوة يضبط المزاج أثناء المناقشات.
ورشة الزيتون بالنسبة لي مكانًا ملهمًا ومهمًا لكل مبدع، هي دعوة لجميع الكتاب، المعروف منهم والمغمور، فكل من أصبحوا مشاهير الآن خرجوا من عباءة الورشة أيام أن كان لا يسمع عنهم أحد. تحية واجبة للمكان ولرواده الكرام.

Post a Comment

أحدث أقدم