ورشة الزيتون: النص الموازي
رجب عطا الطيب ( أبو سرية ) . 


       بطول صبر وأناة ومتابعة حثيثة, تواصل ورشة الزيتون منذ أربعة عقود خلت, متابعتها النقدية عبر طاولة الحوار المستدير الحميمي ما ينشر من نصوص أدبية مصرية جادة وجيدة, لتلقي عليها بقدر ما تستطيع من الاهتمام, ولو قمنا خلال هذه المقالة بإحصاء بسيط, لاكتشفنا بأن الورشة قد ناقشت على مدار عمرها المديد نحو ألفي عمل أدبي, ما بين رواية ومجموعة قصصية أو شعرية وما إلى ذلك .

       وهذا يعني بأن نخبة الكتاب المصريين قد مروا على الورشة بهذا القدر أو ذاك, وان الورشة على موازاة إنتاج النص الأدبي قد أنتجت بدورها نصا موازيا, تمثل في المتابعات النصية/النقدية لما نوقش من أعمال, لو أن القائمين على الورشة كانت قد سمحت لهم إمكانياتهم "اللوجستية" بتسجيل كل تلك المتابعات لكنا أمام كنز نقدي حقيقي, تفتقده المكتبة المصرية, بل العربية في هذه الأيام, التي يكثر فيها الإنتاج الأدبي وتتراجع فيها المتابعة النقدية إلى حدود التلاشي, بما يضيف على ما تقدمه الورشة أهمية أضافية . 

         في جلسات الورشة وخلال بضع ساعات يجري الحوار فيها حول نص بعينه, يتم الحديث عن السياقات التي تنتج النص الأدبي, كما تعقد مقارنات بين ما ينتج من نصوص حاليا وما أنتج خلال العقود الماضية, بما يجعل من ورشة الزيتون ذاكرة فريدة من نوعها, وشاهدا على عصر أدبي ممتد منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن .
ومن يعقد مقارنة بين ورشة الزيتون وبين مثيلاتها في مصر, بل حتى في العالم العربي من صالونات أدبية يلاحظ دون كثير من العناء أن ورشة الزيتون تتميز بطول بالها, بمتابعتها الحثيثة على مدار أربعة عقود دون كلل, وهذه صفة مستمدة بتقديري من شخصية شعبان يوسف الذي اعرفه منذ أكثر من أربعين سنة, كذلك تتميز الورشة بجدية المستوى في التداول والتناول , فهي لا تضع فواصل أو حواجز أو "قرارات منع أو حجب" أو تحفظ على أي عمل بسبب محتواه أو موقف صاحبه أو معتقده, بل هي تهتم بكل عمل تحققت فيه الجدية المهنية/الأدبية بنفس القدر من الاهتمام والمتابعة . 

        ولأن جل من يشاركون في الحوار الذي يجري تدويره عادة بين أعضاء الورشة دائمي الحضور والمتابعة, من المبدعين, أي من الكتاب وليس من محترفي النقد الأدبي, فان وجهات نظرهم وآرائهم فيما يتم مناقشته من نصوص, تمس روح النص وكنهه بعيدا عن القولبة النقدية الجافة, والمعايير الجاهزة , فهي تأتي من أصحاب المهنة و"الكار", أي من أهل مكة الذين هم أدرى بشعابها . 
يقينا لو أن هناك "فوكس" أعلامي فضائي , أو لو أن الورشة تمت تغطيتها ببرنامج تلفزيوني أسبوعي, لكان وقعها عظيما وتأثيرها بالغا في الثقافة المصرية أولا والعربية تاليا.
     
        وبتقديري فان ذلك ربما كان أمرا واجب التحقق نظرا لأن ما ينتج من كم هائل هذه الأيام من نصوص أدبية, لا يجد أية متابعة من شأنها إعلاء قيمة النص الجيد وفصله عن الكم الرديء أو الأقل مستوى وأهمية .  

Post a Comment

أحدث أقدم