قراءة فى نص أيها الموت للشاعر القدير د. عيد صالح
بقلم: مصطفى فودة




اولا النص
أيها الموت
نحن لا نهابك
لكننا نخاف المرض المؤدي لسكراتك
حين يفشل الأطباء
وتغرورق عيون الأصدقاء
وتنتحي الحبيبة جانبا
تعتصرها نوبات البكاء
أيها الموت
ترجل عن راحلتك وانتح جانبا
حتي نلتقط أنفاسنا
ونودع أحبابنا
نعب بعض الهواء النقي
من حلم لا يزال معلقا
منذ قابيل وهابيل
أيهاالموت تمهل
فلم آخذ حصتي بعد
من دقيق الحياة
ثانيا قراءة النص

هذا نص من النصوص الرائعة للشاعر د عيد صالح و رغم أنه عن الموت الا أن سحر الفن أضفى عليه جمالا وجلالا ، وربما يعود الى سمات فنية تميز بها هذا النص الجليل وأهمها انسنة الموت والحوار معه .


والموت شئ مهول ومجرد فى خيال وفكر البشر لا تستطيع أن تحيط به ولكن تشخيصه وأنسنته فى النص الشعرى ازال عنه رهبته وهوله وجعله كأنسان أمامه يمكن الحديث معه و وتشخيص الموت وأنسنته بالنص أزال رهبته ومخاطبته وقيام حوار معه مما أنشأ نوع من المؤانسة والندية معه




أيها الموت
نحن لا نهابك
بدأ النص بالنداء على الموت بكلمة مركبة من أى وها للتنبيه ويتبعها المنادى (كما جاء بمعجم الوسيط ) فشخصه أمامه وقربه بعد أن كان بعيدا مجردا ووجه له خطابه باننا لا نهابك لأن الموت كُتب على بنى البشر وعلى الأحياء جميعاً وقد حوى السطرين الشعريين على تلك السمتين الشعريتين والتى قام عليهما بناء النص الشعرى وهما انسنة الموت والحوار معه ، وقد تكررت عبارة النداء ( أيها الموت ) ثلاث مرات على رأس كل مقطع شعري بالنص وحملت كل مقطع حوارا إنسانيا جديدا مع الموت .




لكننا نخاف الموت المؤدى لسكراتك
حين يفشل الأطباء
وتغرورق عيون الأصدقاء
وتنتحى الحبيبة جانبا
تعتصرها نوبات البكاء


نحن أمام مشهد مصور متحرك عن وصف مرض الموت وفشل الطبيب فى علاج المريض ومن حوله أصدقائه وحبيبته يعتصرها البكاء كم هو مشهد حزين ومعبر ولايخلو من الحركة هو مشهد تعبيرى بامتياز ويذكرنى ذلك المشهد بلوحة االموت بحجرة المريض للفنان النرويجى ادوارد مونش أحد رواد المدرسة التعبيرية الالمانية .
ترجل عن راحلتك / وانتح جانبا/ حتى نلتقط أنفاسنا /ونودع أحبابنا .


وينتقل الشاعر الى المقطع الثانى من النص بعد ندائه على الموت بمشهد ثانى يصور فيه الموت راكبا حصانه وكأنه قادم من سفر بعيد ليؤدى مأموريته فيطلب من الشاعر أن يهدأ ويتريث حتى يودع أحبابه وكذلك أحلامه القديمة منذ قابيل وهابيل كان يود أن يحققها لولا ضيق الوقت ومشاغل الحياة اخرته قليلا عن تنفيذها ليته يتمهل عليه .


كانت لغة النص تصويرية غلب عليه الفعل المضارع لإستحضار الحدث ووصف المشهد فأعطى النص حضور وجاذبية للقارئ ، خيم على لغة النص حزن شفيف حكيم وإن كان فى بعض المواضع كان حزنا أليما ولكنه خلا من لغة اليأس والتشاؤم ( تغرورق عيون الاصدقاء – تعتصرها نوبات البكاء - نودع أحبابنا لم آخذ حصتى من دقيق الحياة )


حفل النص بصور مجازية ففضلا عن تشخيص المجرد وأنسنته (الموت) جاءت الصور الجازية مخاطبة وجدان وخيال القارئ فأعطت النص قوة وجمالا وقد غلب عليها الاستعارة ومن أمثلتها ( تعتصرها نوبات البكاء – ترجل عن راحلتك وأنتح جانبا – نعب بعض الهواء – لم آخذ حصتى بعد من دقيق الحياة ) .




رغم أن النص كان عن الموت إلا أنه كان نصا جماليا بامتياز بفضل اجادة الشاعر لاستخدام ادواته الفنية باقتدار ولغة جمالية حفلت بالصور المجازية المعبرة عن شعور الشاعر ومعه القارئ المتماهى معه تجاه الموت وهو شعور صعب ومركب ولكنه النص نجح فى إمتاعنا والتعبير عن مشاعرنا تجاه الموت وكأنه قام بتطهيرنا من ذلك الشعور المؤلم والمخيف من الموت فاستقبلناه ندا ومحاورا له وكان الموت بالنص مستمعا جيدا وكأنه يجيب الشاعر بعد كل حوار نعم نعم .( قراءة مصطفى فودة ) .





لوحة الموت فى حجرة المريض للفنان النرويجى ادوارد مونش أحد رواد المدرسة التعبيرية الالمانية (1863-1944) .

Post a Comment

أحدث أقدم