في محبة ورشة الزيتون
أشرف البولاقي
في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، سمِعتُ بورشة الزيتون خلال أحاديثَ عابرةٍ من بعض زملاء الدراسة مِن شعراء كلية دار العلوم، وكنت وقتَها طالبًا يخطو خطواتِه الأولى في القاهرة مشدوهًا بالأمسيات الشعرية التي تعقِدها الكلية، وبدور السينما التي كنت حريصًا على ارتيادها يوميًا تقريبًا، ولا أذكر أنني سَعيتُ لحضور أي ندوة أو أمسية خارج نطاق الكلية، مستشعِرًا الحرج من اعتباري شاعرًا أو مثقفًا.
وكان مقدّرًا أن أنتظر عقدًا كاملاً، لتنتهي دراستي الجامعية بالقاهرة، وأعود إلى صعيد مصر مهتمًا بالكتابة وقراءة الصحف والمجلات، ومتابعة الأخبار الثقافية هنا وهناك، لتشرق مرة أخرى ورشة الزيتون كملتقَى ثقافي يناقش الأفكار والمطبوعات، ويستضيف الأدباء والمفكرين والمثقفين، تابعتُ ذلك كخبر أو حديث يتناقله الزملاء والأصدقاء، ولم يحدث قَط أن جرؤت على زيارة المكان، ولا حضرت ندوة، ولا شاركت في لقاء، مكتفيًا فقط بالسماع والمتابعة من بعيد، وداخلي شعور بالغبطة نحو هؤلاء الذي يحدثونني أنهم ناقشوا كتابهم هناك، أو حضروا ندوة، أو التقوا أديبًا أو مثقفًا ..
وكان مدهشا أن أحدًا لم يحدثني عن تفاصيل المكان، ولا عن طبيعته الجغرافية، كان اسم "ورشة الزيتون" وحدَه يفتح الخيال أمام عيني لأرسم أنا جغرافيته وتفاصيله، باعتباره مكانًا فخمًا من حيث بناؤه وعمارته، وقاعاته ومقاعده ومَنَصاته، ومن حيث موظفوه وحرّاسه، الذين حتمًا لو تجاسرتُ وذهبت سيسألونني عن اسمي وعنواني وبطاقتي! وكان مقدرًا مرة أخرى أن أنتظر عقدًا آخر من الزمان لأتعرف على الشاعر والمثقف، شعبان يوسف، من خلال الصحف والمجلات أولاً، ومِن خلال بعض الندوات والفعاليات الثقافية، وأن أتجاسر وأعرض رغبتي في مناقشة أحد دواويني الشعرية بالورشة، باعتباره مديرًا لنشاط الورشة، فما كان منه إلا أن رحّب بذلك ترحيبًا أخجَلَني.
ظللتُ شهرًا كاملاً في أرق وقلق، ماذا أرتدي؟ وكيف أبدو؟ وكيف ستنتهي إجراءات دخولي المكان؟ وهل سأحتاج الأستاذ شعبان يوسف لتسهيل الأمور لدخولي؟ وانتهى الضغط النفسي والعصبي إلى ضرورة استسلامي لِما هو مقدّر! حتى فوجئتُ أن المكان لا يختلف كثيرًا عن بيوتنا ومنازلنا، مِن حيث حميمية اللقاء، وحُسن الاستقبال، وبساطة المكان نفسه الذي لا يزيد عن منضدة كبيرة وعدد من المقاعد، وأدركتُ بعد عدة زيارات وأكثر من مناقشة أن ورشة الزيتون استمدت قيمتَها مِن قيمة أصحابها، ومن قيمة المترددين عليها، ومِن إخلاصهم الحقيقي والنبيل للفكر وللأدب وللثقافة والإبداع، وأكّد ذلك عندي اختلاف مذاهب وانتماءات المترددين على المكان من الأدباء والمثقفين، الذين قَلّ أن تجدهم - على اختلافاتهم تلك - مجتمعين في مكان واحد!
ناقشتُ في ورشة الزيتون ثلاثةً مِن كتبي على ما أذكر، ديوان "والتين والزيتونة الكبرى وهند"، وديوان "نصوص من كتاب الأصدقاء"، ومجموعتي القصصية "خدش حياء"، وليس مبالغةً قولي إن هذه المناقشاتِ كانت مِن أكثر الندوات التي أفَدتُ منها إفادة كبيرة من جَمهرة المشاركين الذين أسعدوني بحضورهم، وكتاباتِهم، وتعليقاتهم، ومنهم كثيرون لا أعرفهم، كانوا مِن محِبي الورشة ومِن المترددين عليها ...
وحتى لحظتنا هذه ما أزال مشغولاً بكيف استطاع هذا المكان البسيط المتواضع أن يترك أثرَه وبصمتَه في واقعنا الثقافي لمدة تزيد عن ثلاثين عامًا؟! وكيف استطاع القائمون عليه التصدي لكل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي قضت على هيئات ومؤسسات كاملة، لكنها لم تستطع النيْل من عزيمة وإرادة محبي الورشة الذين حافَظوا عليها؟! لعل جزءًا كبيرًا من تفسير ذلك يعود إلى قيمة الإخلاص للفكرة، وقيمة الموضوعية التي يتحلّى بها المشرفون على الورشة، بعيدًا عن أي انتماءات حزبية ضيقة، أو مذهبية عقيمة .. فشكرًا لهم.
إرسال تعليق