زوج الحَمال
مصطفى سليمان
تقترب عجوز من الحمال القاعد في الظل، تطلب منه أن يحمل أشياءها إلى بيتها، بيتها في قرية نائية، يتأملها، عجوز ناشفة، ثيابها تدل على ثراءها، تتكيء على عصا من الأبنوس، يشيح بوجهه
- الذئب في قريتنا يقطع الطريق بعد الغروب.
- سأعطيك ثلاثين درهماً
ثلاثون درهماً يشتري بهم كردان من الفضة لزوجه، زوجه بيضاء، تتأفف دائماً من عرقه وأصابعه الخشنة.
- هات لى كردان من الفضة، تنال كل ما تتمنى.
يبتسم للعجوز، ثقيل حملها، يوخزه حصى الطريق، العرق يرسم مساحات على قميصه.
تصرخ زوجه في يافوخه "لا تذهب بعيداً، يداي تعبت من غسل ثيابك."
مع خطواته يثقل الحمل، تستريح العجوز، يلقي الحمل على الأرض، يجفف العرق عن جبينه.
- تحملي يا خالة لأعود قبل الغروب
تتوكأ على عصاها، تسير على مهل، مع العصاري تضع في يده ثلاثين درهماً، في عودته يتوقف ليلتقط أنفاسه المذبوحة من خطواته المتلاحقة، يمرعلى خان الفضة، يشتري الكردان، صوتها الأملس ينزلق من يافوخه إلى صدره "تنال كل ما تتمنى"
يواصل الجري من جديد، يحل عليه التعب وجفاف حلقه، تغيب قريته في جيب الليل، يسير بمحاذاة الجدران، الأبواب و النوافذ موصدة، يهتدي إلى بيته، في بيته الزوج ترفع يدها داعية أن يأكل الذئب زوجها، فرائحة عرقه مازالت جاثمة على صدرها، أثارأصابعه الخشنة مازالت على صدرها. طارقٌ على الباب، تسير على أصابع قدميها، تتوقف في وسط البيت قائلة لنفسها
" سأخبر الناس أني غفوت من طول الانتظار"
يقرع الباب من جديد، تتقهقر إلى فراشها في آخر البيت، تنادي أطراف النوم، بين طرقة وأخرى يحدق في كل صوب فلا يرى الذئب، الذئب قطعة من الليل بعينين حمراوين، يحدق أكثر، يخفق قلبه، يعض شفته السفلى حتى لا تسمع زوجه بكاءه، يكفكف الدموع بكم قميصه، يرتجف هلعاً، يقعد على الأرض، يمسك كردان الفضة بيده، يغفو خائفاً.
تستيقظ الزوج بعد الفجر، تتمطى، تتثاءب، تخطو إلى الباب على مهل، بحذر تطل من طاقة الباب، الزوج ممدد على الأرض، كردان الفضة في يده، بداية النهار الرمادية تكسو المكان، ملامح الزوج متصلبة، ترفع يده ثم تتركها تسقط، يزغرد قلبها فرحاً، تنحني لتسحب الكردان، قبل أن تدسه في جيب صدرها، ترى قطعة من الليل بعينين حمراوين بالقرب منها.
إرسال تعليق