جبل الزفت
أليس جابر

       على أطراف المعمورة في ركن عفن ، بعيدا عن الشمس ، حيث ينفرد الشقاء بالبشر ، ويستقر الألم في القلوب ، والجوع في المعدة ، ووخز الإحتياج في الأجساد ، جلست بلاد رمادية شاحبة اللون عند سفح جبل الزفت ، الشوارع كئيبة قذرة ، لا وجود لعصافير ، أو أشجار ، بيوت طينية متهالكة ، تستند على بعضها بعض من فرط الترنح ، أبواب تكشف أكثر مما تستر من عورات الساكنين خلفها .

         رائحة اللاطبيخ تملأ الأجواء ، فقط الخبز المصنع محليا وربما قليل من جبن الماعز فقير الدسم .

       فى المساء تحل الأعشاب المخدرة محل العشاء ، الجميع يملك منها ما يغيّب العقل عند الحاجة ، فما أن يحتج المنطق ، وينتفض للمقاومة إلا وتهاجمه البلاهة ، واللامبالاة ، وقلة الحيلة ، واليأس ، وفقدان الأمل ، والعجائز ؛ فيستكين الشباب فى حضن الشيخوخة ، والأعشاب .

     يحل اليوم عيد تجليس ملك البلاد ، هو أبن الملك السابق وسيكون أبا الملك اللاحق .

      الملامح ذاتها لمئات السنين ، جثت على قلب البلاد المعزولة ، لا تغير يذكر يطرأ على المشهد ، فمنذ خمسين عام كان حفل التتويج نفسه ، عشرات من البكرات والحبال المجدولة تتداخل بشكل معقد ، يشدها العبيد بسواعدهم ليهيئوا عرش الملك .

     مشهد مهيب يصعد العرش ويهبط مع إرتفاع وإنخفاض نبرات الملك أثناء الخطبة ، وحين يمنُ الملك بالخبز والسكر يتحرك العرش فوق رؤوس المحتشدين وتتساقط العطايا على الشعب كالمطر .
    والسكر هذا عبارة عن قطع بنية غير منتظمة الشكل تختزن بداخلها حلاوة لا تضاهيها حلاوة أى شئ عرفته البلاد من قبل .
قال أحدهم لصاحبه 
- ما أطيب الملك ؟!
- نعم أوافقك ، يعطى بسخاء فى زمن عز فيه العطاء .
- شكرا للسماء ولملكنا الكريم .
كانت الخطبة فى يوم تجليس الملك الأب منذ خمسين عام مختصرة جدا ، فقط ثلاث كلمات ، يومها وعلى غير العادة إنتصف العرش فوق رؤوس الحشد وإرتفع جدا ثم إرتفع ، ناد الملك بصوت جهورى بينما الصمت يعم وقال :
- أنا الله ... 
ساد الصمت لبرهة كأنها حقبة زمنية طويلة ، ألقى بالسكر وإستطرد ..
- أسجدوا .
سجد الجميع والتقط السكر الممزوج بالتراب وأنهمكوا فى مصه أثناء انسحاب العرش إلى منصته ، لكن مفاجأة حدثت تصلب لها المشهد كله ، ملك وجموع
صرخ الشاب " عاصي " 
- أنت فقط الحاكم ، أنت لست الله ، الله خلق الشمس وأنت لا ، خلق الأرض والهواء ، خلق ما نأكله ونشربه ، أنت مجرد ملك تعيش فى القصر العالي ، لا تعلم عن بيوتنا شيئا بينما الله عليم .
سمع الملك الكلام وظهره للجموع ، أشار للعبيد بتحريك العرش حتى إقترب من عاصي ، بينما الجموع بعضهم في وضع السجود وبعضهم منتصب ، وفي هدوء مصطنع قال
- عزيزي الدودة النكرة الناكرة للجميل ألا أستطيع أن أحرمك نور الشمس بإشارة بسيطة من خنصري ؟، أن أجعل منك مع حلول عيد تجليسي القادم حفنة من تراب الأرض التى تتباهى بالوقوف عليها ؟!.
أسعيد بالهواء الذى تستنشق ؟! ، فما رأيك فى منعه عنك فى الحال ؟!، ألم أكن عليما بحالكم العفن فأذيقكم اليوم حلاوة لا تضاهيها أى حلاوة فى بيوتكم العفنة ؟! 
ألم أشرق عليكم مرة فى العام فأصنع لكم حظا وفيرا بشروقى ؟!
ألم أمنحك أنت وكل الشعب أجرا يوميا حين تعملون فى أملاكى بجبل الزفت ؟
أيها الحاقد على قصري ، المُشبع بالغيرة ، علاجك عندي ، فما إن تتذوق مرارة سجونى إلا وستسبح بحمدي يامُضل .
فقد الملك صبره وصرخ بصوت عظيم والعرش يعلو ويعلو 
- من منكم سينضم لهذا الخائن الجبان ؟ من ؟ .. من ؟

     فر الجميع من أسفل العرش كالجرذان المزعورة يحتمون بالصخور وببعضهم بعضا ، بينما هتف بعضهم بصوت مبحوح عاش الملك عاش الملك ..ع
صرخ بهم
- أنا الإله 
عدلت الحشود هتافها 
- عاش الملك الإله ..عاش الملك الإله .
هجم رجال الملك ، أو رجال الله على عاصي وكبلوه بالأغلال وقادوه إلى الحفرة العميقة لحين البت فى أمره .
بدأت بمرور الأيام تعلو الهمهمات في البلاد ، بعضها كان ضد الإله وبعضها مناصرة عن خوف ، وأخرى عن قناعة .

       أجتمع الملك بفئة المنادين بالمدينة لتبصر الوضع والإستشارة ، كان لإجتماع المنادين طقوس تبدأ بمداعبتهم للأعضاء الخاصة للملك الإله ، وما أن يستمنى عليهم حتى يعم السرور وجهه ووجوههم ، جميعهم عليهم أن يبالغوا فى إظهار سرورهم بالسائل الملكي ، فذاكرتهم تحرضهم على السعادة حين يتذكرون ما حدث للمنادي الذى أظهر يوما إشمئزازا ، فها هي عظامه المغلية مصلوبة على باب مجلس الملك الإستشاري حيث تُعقد إجتماعاته برجالات البلاد المهمين .
قال رئيس المنادين متملقا
- سيدى الملك الإله ..
ثم أبتلع لعابه وأكمل الكلام ..
- علينا أن نبالغ فى توزيع السكر على رؤساء التجمعات ، فما أن يستطعموا بعضا من خيرات الله ( الملك ) إلا ويظهرون السمع والطاع ويسيطرون على الرعاع يامولاى وإلهى .
وافق الجميع على الإقتراح مع تكثيف عمل المنادين والمداحين فى جمال الله الملك خصوصا فى ساعات التجمع الليلي حول النار .
وهكذا ..

      لم يمر وقت طويل حتى تأكدت قناعات البلاد أن عاصي كافر يستحق الرجم فى حفرته العميقة ، الجميع أسرع لتلبية نداء الولاء والوطن ومشاهدة الدم المخلوط بالطين على وجه عاصي الذى أختفى رويدا رويدا تحت أكوام الحجارة الملقاة .
ساد الصمت فى البلاد ، الجميع يسبح بحمد الله ، الأطفال يلعبون نصف جوعى ، نصف عرايا ، الأزواج يرتعشون داخل أجساد زوجاتهم ، لا عصافير ، الأوامر توزع يوميا حول حلقة النار ، المنادون يستهلون إجتماعاتهم بطقوسهم ، رجال الله الملك ينفذون أوامره ، الشعب ينتظر فى كل عام حفل تجليس الملك الإله وكل شئ تمام .
كل شئ تمام ما عدا قلة كافرة من الشباب يجتمعون في سرية تامة تحت ستار الليل ، في كهف مهجور فى الوادي الممتد قبالة جبل الزفت .

Post a Comment

أحدث أقدم