"حتى مطلع الفجر"
الفائزة بجائزة إحسان عبد القدوس ٢٠١٩-٢٠٢٠
سوسن الشريف
ربما في ذلك اليوم عند زيارتنا السنوية لمقام السيد البدوي في محافظة الغربية، والذي كان بمثابة وِردًا سنويًا يجب أن نقوم به، محاطًا بكل التفاصيل المقدسة في مقام المقام..
في إجازة منتصف العام المدرسية كنا نشدُ الرحال من القاهرة إلى طنطا في الصباح الباكر، مرتدين أبهى ما لدينا، فرحين بهذه الرحلة التي ننتظرها بكل شغف. فبعد زيارة المقام، نذهب لشراء الحلوى الملونة، وحلوى الجبن، والحمص والحلاوة الشعر لنا ولكل الأقارب المنتظرين بلهفة، وتكون مكافأة الصغار أكياس "حب العزيز"، إلى أن يحين وقت الغذاء عند أشهر حاتي بجوار المقام، إنها رحلة مباركة مبهجة حقًا بكل ما فيها. يومًا ما في إحدى هذه الرحلات، كنت في السابعة تقريبًا، دخلت مسجد "السيد البدوي"، وتوقفت عند صخرة بنية اللون، عليها بصمة غائرة لقدمين، قالوا لنا إنها قدما الرسول محمد، شعرتُ بشيء يتسلل داخلي، لم أدرِ ما هو، فقط كشعاع من ضياء، توهج له قلبي وارتجف بشدة. صرت أبكي دون صوت، لم أفهم وقتها ما حدث! ظلّت دموعي تسيل إلى أن ركبنا السيارة فأجهشت بالبكاء، سألتني أمي ووالدي عما بي، وكذلك سألت نفسي، ولم أجد إجابة. إلا أن وجه أمي أشرق بسعادة، وكأنها علمت بما لامس قلبي، ونظر إليّ والدي بابتسامة جميلة، ممتلئة بالرضا، بينما صرتُ مُحاصرة ما بين البكاء والجهل بما يحدث.
أمضيت عشر سنوات تقريبًا بعد هذه الواقعة أحاول طلب صداقة الشيطان، فكان الرفض من نصيبي دومًا، لم يقبل الشيطان صداقتي!! أليس هذا بمدهش؟!
وكأن قوى خفية تدفعني لأكون غير تلك الشخصية التي بكت داخل المقام، تقابلها قوى أخرى لا ترغب في تركي بمفردي. يبدو بلا شك أن أحد الطرفين -بخلاف والدي وأمي- أكثر قوة، لديه كثير من السحر، والغموض، لا يكون ضدك طوال الوقت، بل يعمل لصالحك أحيانًا لدرجة تدهشك.
كأنك تعتاده وتتعلق به ويكون من الصعب تغيير الدفة للطرف الآخر، فقد توغل بداخلك، وصار جزءًا منك، فكيف يرضى بأن يذهب جزء منه للطرف الآخر؟! ومع ذلك قد يتخلى عنك في لحظة مفاجأة لن تعرف لها وقت، أو سبب، أي أن حياتك ستظل معلقة بين القبول والرضا أو الرفض والطرد من رعايته.
بدأت حياتي في السير عكس كل اتجاه اختاره، تلك القوى خفية أحكمت سيطرتها بالكامل عليّ، فكنت أسير بقوتي الضعيفة نحو الفجر وكأنني منساقة إليه انسياقًا دون مقاومة أو عراقيل.
أدركت وقتها العوالم الأخرى التي أعيش بينها، وحانت اللحظة للاختيار الحقيقي، وعلي توقيع "عقد" بيني وبين من أختار.
أعطاني أبي الكبير عقد الاتفاق، وطلب مني اقرأه على مهل، بل أكد على ضرورة قراءته أكثر من مرة، والتفكر فيه وتفهم شروطه. بدا لي واضحًا إمكانية التراجع في أي وقت، حتى بعد التوقيع بالموافقة، ولعلها المرة الوحيدة التي شعرت فيها إلى حد ما أنني اختار، وإن كنت أظن أنه هو الذي اختارني أولًا وراهن عليّ.
أبي الكبير يوزع ميراثه مرتين، مرة قبل الفجر ومرة عند بزوغه.
في المرة الأولى يمنح أبناءه تركة متساوية في المقدار مختلفة في النوع، ونشعر دومًا أنها غير كافية ولا مرضية، فهو يمنحنا ما لا نرغب، ويمنع عنا أكثر ما نرغب، أو يوقد بداخلنا رغبة لما لا نملك، وتصير هي شغلنا الشاغل.
أزعجني وأثار دهشتي أنني في النهاية أقع في عملية رهان بين طرفين، لكل منهما قوته!!
وهل هذا هو سبب قدومي للحياة، لأعيش هذا الصراع الأبدي؟!
أرهقت هذه الحقيقة عقلي، وعجز عن فهمها، بل وتقبلها. عليّ إذن الابتعاد عن منطقة الرمال الناعمة هذه، لا سبيل للنجاة منها، فكلما قاومت، غرقت أكثر، فلنعتبرها غرفة مظلمة فقدنا عن عمد مفاتيحها. أعرف البعض ممن رفضوا توقيع العقد، لأنهم أبوا يكونوا موضع اختبار، اختاروا بالفعل عدم الاختيار، رفضوا بشدة التوقيع أو الموافقة، فأصابهم الجنون، وفقد بعضهم عقله من فرط التفكير.
عليّ أن أختار الآن.. كل الوضوح والقوة، أو كل القوة وبعض الوضوح وكثير من عدم الفهم أغلب الأحيان لدرجة قد تصيبني بالجنون!!
تذكري يمكنكِ الرجوع في أي وقت وتعديل اختيارك ..
هيا اختري . . .
همس لي الجار، كعادته في الكلام، لا ينفعل أو يغصب مهما كان داخله مشتعلًا متقدًا...
- ماذا لو لم يكن هناك فجر!! ستمضي حياتك وأنتِ سجينة عقد، تنفذين ما به، وأبيكِ يمكنه إلغاؤه أي وقت عن طريقك، يمكنه تغيير عقلك، فكرك .. قلبك، وتضيع كل سنوات حفاظك على عهد ووعد لا تملكين له خيارًا حقيقيًا.
- قل لي وماذا لو بزغ الفجر في النهاية؟!! هل ستملك لي تعويضًا؟ أظنك تخاف الفجر لأن بزوغه سيبدد قواك. ولأجيب عليك بصراحة أكثر، مع أبي الكبير قد يكون هناك فجر وقد لا يكون، كلانا متفق على هذا، لكن معك بالتأكيد لن يكون هناك فجر.
فماذا يجعلني أختارك إذن وأنا لا تعنيني الصباحات المؤقتة، بل لا تكفيني، يمكنك القول إنني أطمع في الكثير، فليكن اختياري بقدر طمعي. لست قنوعة فيما يتعلق بالشروق، فأنت تعلم بالتأكيد أن حياتي لا تشهد سوى غروب متكرر للأشياء والناس، أتوق للحظة شروق حقيقية ولو لمرة واحدة، فلتكن هذه أمنيتي الوحيدة والأخيرة، انتظار الفجر. ثم بمَ تعدني؟! فأبي يعدني بفجر وأنت!!
- أعدك بالحرية ...
- أي حرية في طاعتك؟!!
- وأي حرية في طاعة أبيك الكبير؟!!
- طاعة قد يكون لها جزاء، كما أنه يقدم لي كثير من الحب بأنواعه وألوانه داخل العقد، والحب في حد ذاته حرية، وإن كان بعض منه أسرًا، فهو من ذلك النوع الذي تألفه الروح وتهواه النفس.
لماذا تضحك؟!
اتسخر مني؟!
انتظر ..
اجبني ... لا تذهب ...
....
"العقد"
من رواية "حتى مطلع الفجر"
الفائزة بجائزة إحسان عبد القدوس ٢٠١٩-٢٠٢٠
سوسن_الشريف
إرسال تعليق