ورشة الزيتون
طريق الوعي الصحيح لقراءة أي عمل أدبي
مصطفى البلكي
كل نور يطلب من يهتدي به، ومهما كان قدره حتى لو شعاع وحيد منه، سيبقى ما دمنا نريد المحافظة عليه، وكل من يضيء لن تطمره الظلمة حتى لو تراكمت, مقدمة لا بد منها وأنا أتكلم عن تلك الصلة التي تربطني بورشة الزيتون. في حياتنا مهما طلبنا من صلة لا نجد إلا التي تحيي, التي توجدنا على طريق كل ما فيه يغري, ويشد, ويجعلنا تابعين لكل ما سوف يولد عنه, هذا الفعل أو هذا الحدث, أو هذه الصلة, ترتقب التلاقي, ترتقب العزف, ترتقب الصوت الختامي لو كانت فعلا واحدا أو أصواتا متتابعة لحركات تتلاحق, بين التحام وفك الحصار, هي دائما موجودة, في اللقاء بعد غياب, وكأننا نردد قول محمود درويش, نقصتني وأنا حضرت لأتملكك, تعيدنا لنسق الصلة, لبدايات التعارف.
فهل هناك أفضل من صلة تقوم على المحبة لمكان شهد وما زال يشهد متون الحب, كلما نظرت في وجوه من يضمهم المكان/ رواده, ومن المحبين له تدرك أن الإنسان لا يعيش بقصته فقط, هو يحمل الكثير منها, وإذا ما رضخ لنداء واحد أصبح قريب الشبه بحشائش البئر, دائما لا جذور لها, هناك بين تلك الجدران, تجد الأمان في أفضل صوره, لذلك تكون الثقة قائمة وممتدة الجذور, يدعمها الحب أو المحبة عام 2007 دخلت لأول مرة ورشة الزيتون, وجدت الحياة في أفضل صورها, ولا تخرج عن اطار جامع لكلمة الحب, تحتها يصاغ كل شيء, وتحتها يمضي الوقت وكأنه نفثة عطر واحدة ممتدة وقابلة لأن تعيش بعد هذا الوقت بنفس الأثر, ولم لا.
وكل من يضيء لا ينسى, وحتى بعد انفلات الوقت, كلما عدت لما كان أدرك أنه أصبح جزءا مني, لا أملك أي قدرة لأن أغيب ولا أن أفقد الطريق إلى هناك, وكأني أعيد للذاكرة نفس الخارطة, ونفس المقهى الذي تم هدم المبنى الذي كان يشغل فيه جزءا يطل بناصيته على الشارع الجانبي المتفرع من سليم الأول, ألف ليلة وليلة, هناك كان الجسد المنهك من السفر لمسافة تزيد عن 400ك يستريح حتى تأتي الساعة السابعة.
لا أكاد أستقر إلا ويقابلني صاحب الورشة كما أطلق عليه الروائي والقاص الكبير الدكتور محمد إبراهيم طه, أول من تحمس لمناقشة عمل لي , يظهر بابتسامته الودودة, تلك التي تقول لمن يستقبلها, رائعة الابتسامة التي تقول للتعب لن تهزمنى, دفء المقابلة يجعلني دائما أتذكر المحبة التي يعيش عبرها كل من ينتمي لهذا المكان, ومهما كانت حدة المناقشات حول الطاولة التي يلتف حولها المحبون, فلن تخصم من تلك المحبة شيئا, على العكس تماما, تضيف وتجعل العين تشتاق للحظات أخرى.
تعددت المرات التي سعدت فيها بتواجدى في متحف الحب هذا, وحده صوت الحب من ناداني لأكون هناك في 2007, 2008, 2010, 2012, و2014, ليتم مناقشة أعمال لي( تل الفواخير, طوق من مسد, صور مؤجلة للفرجة, سيرة الناطوري) وخلال هذه الندوات كانت الحفاوة هي الصوت الذي يملك قدرة منحي السكينة, ولأني أدرك أن للانتماء زوايا يعرفها من راح يمعن في تأمل اللحظة التي يعشها , أكون دائما على موعد مع اقتناص لحظات الحب ودفء المودة.
يجعلني كل هذا, انصت لكل الكلمات وأظل متمسكا بأن الحصون القوية لا تستسلم لكنها تُحتل, والمساومة آخر حد يصل إليه المهاجم! لذلك كانت وما زالت ورشة الزيتون هي طريق الوعي الصحيح لقراءة أي عمل أدبي, ومن يوجد بين جدرانها, سيعرف أن الحب هو الدفء القادر على منحنا وصفة سحرية لنشد إلى أرض لا نبتعد عنها .
إرسال تعليق