ورشة الزيتون
محمود السيد



       منذ زمان بعيد وأنا أسمع عن ورشة الزيتون ، ومع أني من سكان ذلك الحي غير فلم أكلف نفسي عناء البحث ، ظننت في البداية أنها ورشة لتعليم كتابة القصة القصيرة ، لم يمر من الوقت الكثير حتى أدركت أنها ملتقى ومنتدى للكتاب والقراء ومحبي الأدب ، شعراً وقصة ورواية من الهواة والمحترفين وتساءلت ومازال التساؤل ينمو داخلي عما جمعهم في هذا المكان غير حب الأدب ! وتابعت أخبار الورشة بمرور الوقت ولم يجب عن سؤالي أحد ! ما الذي جمع هؤلاء وهؤلاء في ذلك المكان ، أي تواصل هذا وأي هدف يرتجى ! ومنذ احترفت الكتابة وأنا أتطلع إلي هذا المكان وكأنه السحر أو كهف من كهوف ألف ليلة وليلة المليء بكنوز وأسرار الأدب ، ومضيت فيما أنا فيه ، لم يكن الفيس بوك قد ظهر وما إن ظهر حتى وجدتني أبادر بإرسال طلب إضافة للأستاذ شعبان يوسف بعد ما نما إلى علمي أنه القائم على ورشة الزيتون ، رحب الأستاذ بالإضافة فتماديت في العشم - والعشم قد يكون قاتل صاحبه – وطلبت منه على استحياء أن يناقش لي بعض بعضا من رواياتي ومجموعاتي القصصية فوجدت منه تشجيعا قلما يحدث في أيامنا هذه ، حتى وجدتني وقد حسبت نفسي واحداً من أعضاء الورشة ، لم تكن ورشة أو بيتاً أو مكاناً بعدما تجاوزت وصف المنتدى ، قد أصبحت الورشة وطناً للمبدعين من الكتاب والمثقفين وبقعة ضوء جاذبة وظاهرة في حاجة إلي رصد ، أصبحت الورشة ملاذاً للأدباء ، يقصده من يقصده ويرحل عنه من أراد لتبقى ورشة الزيتون عنواناً للكتاب وللثقافة والإبداع .

          ناقشت أولى مجموعاتي القصصية بحضور عد من النقاد يشار إليهم بالبنان بينما الأستاذ شعبان يطالع صفحة الفيس بإمعان ويلتقط الصور من هنا وهناك ، قد يتصور البعض أننا خارج دائرة الاهتمام ، لكنه فجأة يقاطع المتحدث في جرأة قد يغضب لها البعض ، مصححاً مسار الحوار أو التاريخ أو لفتة أو حقيقة هنا وهناك ، أو ذكرى تقاطعت وطافت بذاكرته ، لكنها مرتبطة بموضوع الندوة والنقاش ، وأحيانا أخرى يترك لأحدنا أن يدير ندوة ما ويتدخل غير مرة وقد يغضب البعض أكثر لكنه بعد مراجعة يكتشف أن الأستاذ شعبان يوسف إنما تدخل المحب الغيور على مشروعه الفكري الثقافي الحريص على إخراج الندوة في أجمل صورة – لا تدخل المستبد ، وتمضي بنا الأيام بين شد وجذب وقراءة ورواية وشعر ونثر ، والثقافة فعل تراكمي حيوي وهي أيضا القدرة علي إبداء الرأي والإلمام بالعلوم والفنون والسياسة والاجتماع والتاريخ والأدب أيضا بما انه فرع من فروع الثقافة ، والقصة والرواية وكذلك الشعر والمقال من فنون الأدب ذات الأثر الواسع على الفرد وارتقائه واتساع مداركه وخلق رؤية من وحي الكتابة والقراءة ، رؤية تقدمية لإصلاح المجتمع وما يجب أن يكون ، والكاتب هو حلقة الوصل بين المجتمع وبين القائمين على أموره ، والثقافة كائن حي في حاجة إلي رعاية.

        وهكذا تبلورت فكرة ورشة الزيتون في عقل ووجدان راعيها الأول الشاعر والمؤرخ شعبان يوسف ، ذلك الرجل الدءوب الذي لم يعرف الملل على مدى عمر الورشة ، ملتقى الأحبة وعشاق الأدب من كل مكان ، يوم الاثنين من كل أسبوع يجمعهم على كتاب أو رواية وقصيدة شعر وقراءة حرة تسهم في إثراء الحركة الأدبية في مصر ، ليس في مصر وحدها فقد امتد اثر ورشة الزيتون إلي الوطن العربي الكبير ، فقد حرصت الورشة على استضافة كتاب وأدباء وشعراء من السودان والجزائر والعراق والكويت وفلسطين ، وورشة الزيتون طاقة أدبية هائلة ، جديدة ومتجددة.

        كم تعاقب عليها أجيال من الأدباء على مدي أربعين عاما ومازالت مستمرة بجهود الأستاذ شعبان يوسف والذين معه من أعضاء الورشة وروادها ، الدكتور الروائي محمد إبراهيم طه ، سامية أبو زيد ، شرقاوي حافظ – أسامة ريان –هشام العربي - مصطفي سليمان – سوميه التركي – فاطمة المرسي – أماني الشرقاوي – آمال الشريف – أحمد عزوز – تغريد النجار – عزة رياض – حنان عزيز – كريم فريد – هدي يوسف أبو زيد –أسامة الحداد – أسامة جاد - الدكتورة سوسن الشريف .

        ليس هناك أخطر من فكرة آمن بها صاحبها وعمل على تحقيقها ، يمكنه أن يغير من خلالها عالماً بأسره ، هكذا اثبت ما مر من عمر أن الفكرة لا تموت وأن الأستاذ شعبان يوسف صاحب مشروع ثقافي منذ أربعين عاما ومازال مستمرا ً حتى كتابة هذه السطور ، كل الأمنيات الطيبة لورشة الزيتون ....

Post a Comment

أحدث أقدم