خيرى شلبى ..ذكرى وتحية:

     عندما ذهبنا إلى عزاء عمنا الكبير خيرى شلبى فى مسجد الشرطة بمدينة نصر، كان ابراهيم أصلان متأثرا بشكل بالغ، وتبدو عليه حالتا انطفاء وانكسار غير عاديين، فأصلان المرح دائما كان قاهرا بطبعه لأى انطفاء، وكذلك كان كاسرا لأى انكسار، لأن طبيعته كانت مبدعة للبهحة، ولكن رحيل خيرى شلبى كان الاستثناء الوحيد الذى جعل ابراهيم أصلان غير قادر على مقاومة حالتى الانطفاء والانكسار المفزعتين، ساعتها همس فى أذنى أحد الأصدقاء القريبين قائلا: "ابراهيم لن يستطيع أن يتحمل غياب خيرى كثيرا، وهاهى علامات الرحيل ندق الأجراس حول ابراهيم"، تعاملت مع هذه الجملة كنوع من التشاؤم الزائد عن الحد، ولكن النبوءة تحققت بالفعل، فلم يحتمل ابراهيم غياب خيرى، وكان الفاصل بين الرحيلين أقل من أربعة شهور بيومين، خيرى رحل فى 9 سبتمبر 2011، وكان رحيل ابراهيم فى 7 يناير 2012.
وأنا لا استدعى ابراهيم هنا عبثا، لكن العلاقة بين الاثنين كانت من أقوى العلاقات الفاعلة والمعروفة فى الحياة الثقافية المصرية، رغم ماكان يشوبها من عكارة فى بعض الأحيان، تلك العكارة التى تعرفها حالات الأخوة والأحباب، عكارات لها أصول شبه طفولية، إذ كان خيرى شلبى يتمتع بطيبة القلب بامتياز، ولكن (خُلقه) كان ضيقا للغاية، لدرجة انه أغلق فى وجهى السماعة _ذات مساء_دون سابق إنذار، سوى أنه قال لى: عن إذنك و"قفل" السكة على الفور، ويومها طلبت العم أصلان وشكوته له، لأن الأمر كان متعلقا بحدث يخصنا نحن الثلاثة، وكان رد ابراهيم: "ياعم ماتاخدش على خيرى"، ولكن بعد هذه الواقعة بأسبوع طلبنى ابراهيم فى الرابعة صباح الفجر وصرخ قائلا: "شفت الواد؟"، قلت الواد مين؟ قال لى: خيرى، قلت له: ماله؟، قال لى : قفل السكة فى وشى زى ما عمل معاك، ساعتها ضحكت عاليا وذكرته بمقولته: مش انت قلت بلاش ناخد على مواقف خيرى الانفعالية، ولأنه صاحب قلب طيب وكبير، ولكنه يملك حيطة ثعلب عندما يشعر أن أحدا يحاول أن يمكر به، ولنا فى ذلك مشاهدات كثيرة، منها مثلا أن ناقدة ما كانت تكتب مقالات نقدية عن المبدعين، وتتركها لهم لكى يساعدوها وينشروها بمعرفتهم، وهذه الناقدة كانت تكتب عن أصحاب النفوذ، وعندما أعطته المقالة أو الدراسة امامنا، قال لها خيرى بكل ثقة: إنه ليس من أصحاب النفوذ، كما أنه لا يسعى لنشر أى شئ عنه، ونرة اخرى لم أر خيرى شلبى غاضبا كما رأيته عندما كان عضوا فى لجنة تحكيم جوائز التفوق، وحصل عليها من لا يستحقها كما كان يرى، عند ذلك لم يترك خيرى جلسة ما حتى يعلن عن غضبه، كما أنه قال لهذا الفائز فى وجهه: لو كنت أعلم أنك الفائز لما كنت شاركت فى التحكيم.
بعد واقعة إغلاق السكة ببضعة أسابيع، التقينا فى حفل جائزة الجامعة الأمريكية الخاص بحمدى ابوجليل، بعد انتهاء الحفل وجدته يحاصرنى، ولم أستطع الإفلات منه، بادرنى قائلا: إياك عامل نفسك زعلان منى؟ قلت له: طبعا، ولكنه رد: ماتزعلش، وحقك عليا، ولازم تاخد بالك إن أنا ساعات أكون خيرى، وساعات تانية لا أكون خيرى على الإطلاق، بصراحة لم أستطع سوى أن اضحك، وأنا اسأله : طب إزاى أعرف إنك خيرى أو مش خيرى، لقيته بيشدنى من إيدى ويقولى: طب مش رايح احتفالنا بالواد حمدى فى ميريت، قلت له : أيوه رايح، قال لى: طب تعالى وهأقولك هناك، وذهبنا، ولكن كل شئ ذاب فى صخب الكلام، وكأن لم يحدث شئ.
ومن دواعى فخرى وسعادتى أنه كتب عنى أربع مقالات، منها مقال فى جريدة الاسبوع عنوانه (الأحفورى)، لأنه كان يرى أننى قادر على البحث والتنقيب، وقال لى كلاما اخجلنى، وكان فى إحدى الزيارات لمعرض الكتاب وقال لى تعالى نشرب حاجة، عشان انا جاى مخصوص عاوز اقول لك كلام يخصك، وأخبرنى انه يحتفظ بكرتونة مكدسة بالدرر الروائية والشعرية القديمة، وهو يشعر بأنه لن يفعل بشأنها شيئا، هذه الكرتونة عاوز اعطيها لك، لأنها ستذهب إلى العدم، وبالطبع لم تسعفنا الأوقات لكى نبحث عن هذه الدرر، ورحل خيرى شلبى وفى جعبته الكثير الذى لم يسعفه الوقت لإنجازه، وبعد رحيله كلفنى الدكتور شاكر عبد الحميد وقد كان أمينا للمجلس الأعلى للثقافة آنذاك بإنجاز كتاب يجمع مختارات له غير منشورة فى كتب، وبالفعل فعلت ذلك فى فترة وجيزة، وكتبت دراسة تحت عنوان (خيرى شلبى .. فيلسوف الهامش) وصدر الكتاب عن المجلس بمصاحبة المؤتمر الذى أقيم عنه بعد الرحيل، اليوم أشارك بالحضور فى حفل توزيع جائزة الرواية، والحائزة تحمل اسمه، وقد أسستها أسرته، وسيكون الحفل فى دار بتانة، وأنا سعيد بهذه المشاركة الهامشية، لأننى أشعر بأن هناك الكثير الذى لم أستطع قوله عن الراحل الكبير، رغم أننى شاركت فى الفيلم الوثائقى عنه، والذى أعده د حاتم حافظ ، والأستاذ زين خيرى، كما أننى شاركت الصديقة العزيزة الكاتبة منصورة عز الدين فى حلقة تلفزيونية طويلة عنه فى قناة الcbc، اليوم نستعيد خيرى شلبى مرة أخرى، رغم حضوره الدائم وسط كل تلك الأحداث المهيبة.
(الصورة من صفحة العزيز عائد خصباك)

Post a Comment

أحدث أقدم