قلب الحياة الثقافية
محمد إبراهيم طه
دائما ما أفشل في العودة إلى التصور الذي كان في ذهني لورشة الزيتون الأدبية قبل 15 أبريل 2002، ربما بسبب الإحساس الذي داهمني في محطة المترو المؤدية إليها عندما رأيت اللافتة بخط كبير تقول (سراي القبة) بينما كانت في ذهني: محطة(شعبان يوسف) بخط كبير وبين قوسين وبخط أصغر إلى اليسار (سراي القبة سابقا). وعندما عبرت مندهشا من أسفل الكوبري العلوي وتوجهت إلى 1 ش محمد إبراهيم المتفرع من سليم الأول أمام مقهى ألف ليلة وليلة،
قضت على التصور الذي في ذهني المفاجأة الثانية: أن المكان ترابيزة أطول قليلا من مائدة طعام وبضعة مقاعد، لا منصة ولا مقاعد مصفوفة، فقط ابتسامة شعبان يوسف من خلف نظارته السميكة وصلعته المميزة التي كانت تختلط عندي مع على أبو شادي أيام كان في هيئة قصور الثقافة، وهو يشير بسبابته إلى مقعد فارغ، ذات الصورة التي ظللت أراه عليها حين يدخل الورشة ضيف جديد وينتابه الارتباك، فيقوم هو عن مقعده، مشيرا إلى القادم في فرح، أو يحمل المقعد إليه وإلى أن يقابله في منتصف القاعة يكون قد نطق اسمه بمودة وترحاب وصوت عال ربما ليمنحه المزيد من الثقة أو يعرِّف الجالسين به دون أن ينقطع خيط الكلام. ودون أن يشعر أحد يدلف شعبان يوسف من باب ثم يخرج فيما بعد ممسكا بمقعد بلا قرص أو مقعد بثلاثة أرجل فيجلس عليه كيفما اتفق، لتعاود عيناه من خلف النظارة رصد الجميع والترحيب بالقادمين.
المائدة المفروشة بقماش خيامية قديم، ومروحة السقف، وبعض إعلانات عن المقاومة الفلسطينية، وعنق شعبان المشرئبة دائما وتنقل سالم بالقهوة والشاي بين الحضور بلا ضجيج جعلتني أشعر بقدسية للمكان، فالندوة عميقة، والحضور ينصتون بكل اهتمام في ندوة كانت لبهاء عبد المجيد وكان يناقشه الناقد إبراهيم فتحي ود. شرين أبو النجا وكانت الرواية سانت تريزا، ولم أكن رأيت إبراهيم فتحي من قبل إلا في الصور على صفحات الجرائد، فأهديت له بعد انتهاء الندوة روايتي "سقوط النوار"، فإذا به يقرأ العنوان والاسم ليتذكر راسما بيده قوسا في الهواء:
ـ إنت لك مجموعة قبل دي.. حاجة مايلة على حاجة ؟
فقلت : نعم: توتة مائلة على نهر! فقال:
ـ آيوه.. الدكتورة فاطمة موسى معجبة بها وهتترجمها!
أخذتني المفاجأة، حتى أنني اقتربت منه لأتأكد ـ حين جلس على المقهى المقابل بعد الندوة ـ إن كان يقصد ما قاله فعلا، فقال: نعم، ثم استدرك كأنما أفشى سرا:
ـ بس ماتتصلش بها.. وما تقولش اني قلت لك حاجة.
كانت المرة الأولى التي أقابل فيها إبراهيم فتحي، ولم أره بعدها إلا في الورشة أو المجلس الأعلى للثقافة، وظللت أتساءل كيف وصلت المجموعة التي صدرت في صمت قبل خمس سنوات إلى يد الدكتورة فاطمة موسى وكيف علم هو بذلك، حتى اكتشفت بعد شهرين في منتصف يونية أن المجموعة حازت على التشجيعية في نفس العام، فعرفت أنهما كانا عضوين في اللجنة.
كما تتجمع الفراشات حول النور، ظللت أقتنص الفرصة لأذهب إلى الورشة برفقة أصدقائي: سمير درويش ومحمد طلبة الغريب ومحمد داود، وظلت صلتي بالورشة قائمة لخمس سنوات تالية حتى 2006، لم تصل إلى درجة الانتظام في الحضور ولم تصل لدرجة القطيعة، أمشي على سطر وأترك سطرين، وكان قد رسخ في ذهني أنك إذا أردت أن تعرف ما يدور في كواليس اللجان الثقافية والجوائز والموضوعات التي ستطرح في المؤتمرات والفعاليات الثقافية، فما عليك سوى الذهاب إلى الزيتون، وإذا أردت أن تتأكد إذا ما كان أحد الأدباء حيا أم ميتا، هنا أم بالخارج، يكتب أم توقف عن الكتابة، أخذ حظه من التقدير أم نسيته الحياة الثقافية، فما عليك إلا أن تتواجد في ورشة الزيتون. ذلك التجمع الثقافي الإنساني الحيوي الذي ندر أن يتواجد مثله.
منتظم في الحضور في الورشة منذ العام 2007 وحتى الآن، لكن ورشة 2002 ما زالت ماثلة في ذهني، فلا هي تصل من الخفة إلى درجة الندوات التي تتوقف عند مناقشة قصائد وقصص فردية وأدباء في مرحلة التكوين، ولا هي ندوة متحفية تناقش أعمالا محنطة، إنما كانت ندوة جادة تتبنى الكتابات الحقيقية في نهر الإبداع المصري، للكتاب المتحققين والذين قطعوا شوطا هاما في الكتابة، ولا أنسى محور "الرواية الآن" والذي ظلت تناقش الورشة فيه على مدار ستة أشهر الروايات التي لفتت الانتباه في 2002 فناقشت روايات عديدة أذكر منها: "نوة الكرم" لنجوى شعبان و"إنه الرابع من آل مستجاب" لمحمد مستجاب، و"نقرات الظباء" لميرال الطحاوي، و"صمت الرمل" لمحمد عبد السلام العمري، و"الحي السابع" لنعيم صبري، و"أن ترى الآن" لمنتصر القفاش، و"هليوبوليس" لمي التلمساني، و"لصوص متقاعدون" لحمدي أبو جليل و"خط ثابت طويل" لمحمد طلبة الغريب و"سانت تريزا" لبهاء عبد المجيد و"قف على قبري شويا" لمحمد داود، و"عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني و"خيال في الهند" لعبد الحكيم حيدر و"جدار أخير" لمي خالد و"من حلاوة الروح" لصفاء عبد المنعم و"أقنعة الصحراء" لفتحي امبابي و"خزانة الكلام" لجميل عطية إبراهيم، وكان من أعضاء الورشة البارزين فتحي امبابي وفخري لبيب وهدى كامل وابتسام سعيد وليلى الرملي، كما أصدرت الورشة نشرات خاصة لبعض هذه الروايات، منها نوة الكرم وسقوط النوار ولصوص متقاعدون، تحتوي على تغطية لندوة الزيتون ومقالات عن الرواية والحوارات التي أجريت مع الكاتب حولها، ولقد أسهمت هذه الملفات بشكل كبير في الترويج والتقديم لهذه الأعمال، والتي نتج عنها وضع هؤلاء المبدعين في أماكنهم على الخريطة الأدبية، ولم يكن هناك شطط في الرأي، فقد حاز الكثير من هذه الأسماء على جوائز مختلفة، وترجمت بعضها إلى لغات أخرى.
دائما ما أفشل في العودة بورشة الزيتون إلى التصور الذي رسمته لها في مخيلتي قبل 2002، رغم أنها تخطت موقعها المذكور وتغلغلت في الحياة الثقافية، وأصبحت كيانا ثقافيا يضارع ـ إن لم يتفوق على ـ مؤسسات ثقافية كبيرة، فبحسبة بسيطة نجد أنها تعقد ما يزيد عن 104 ندوة أدبية وثقافية في العام، متجاوزة بذلك نشاط هيئة الكتاب خلال المعرض بمرتين، وبحسبة بسيطة أيضا نجد أن الورشة ناقشت بشكل علمي وموضوعي ما يقرب من ألف كتاب في السنوات العشر الماضية ما بين المجموعات القصصية والروايات والكتب النقدية والسياسية والفلسفية والتاريخية ذات الصلة بالأدب، فصارت مكانا يرتاده الباحثون والنقاد بلا تحفظ، وخلقت من بين روادها نقادا يجمعون بين النقد والإبداع، وأعلت من الذائقة النقدية لروادها فصارت ذاكرة حقيقية للأدب في مصر الآن، ومؤسسة تضطلع ـ بلا تمويل ـ بدور ثقافي لا تتمكن المؤسسة الرسمية من تقديمه بهذه الدرجة من الإتقان والبراعة، معتمدة في هذا النشاط على العلاقات والاتصالات والعمل التطوعي، فالناقد والمبدع والحضور متطوعون لا يدفعهم إلى المجيء سوى وجه الأدب. ومن ثم صارت السلطة الثقافية والأدبية التي حازت عليها الورشة سلطة حقيقية، تؤهلها لخوض المعارك الثقافية والتفاعل مع القضايا الثقافية الراهنة، ولم يكن موقفها من قضية إعلان موت القصة القصيرة في مصر بحجب جائزة الدولة التشجيعية المتزامن مع منح جائزة يوسف إدريس لكاتب عماني موقفا فرديا أو متطرفا، إنما كان موقف غالبية المثقفين والنقاد المتصلين بالإبداع الحقيقي ليس في القاهرة فقط إنما في الأقاليم، فدأبت على فضح التقصير والاستهانة ليس في الورشة فحسب، إنما في وسائل الإعلام، وأعلنت عن تشكيل لجنة للضمير الثقافي وطالبت بتنقية لجنة القصة من الأسماء التي انقطعت صلتها بالقراءة منذ أجيال، ودعمها بالنقاد والمبدعين المتورطين في الحياة الإبداعية، بما يجعل من تكرار هذه الظاهرة المؤسفة أمرا مستحيلا.
لكي تظل الورشة ذاكرة أدبية حقيقية فهي ـ من وجهة نظري ـ في أمس الحاجة إلى شيئين: مجلة دورية، وموقع كبير على شبكة الانترنت تغطى فيهما أنشطتها وتوضع الموقع تسجيلات صوتية كاملة لندواتها السابقة، حتى تتجاوز الفائدة دائرة الورشة المتمثلة في المبدع والناقد والحضور، إلى دائرة النشر الورقي، إلى دائرة أوسع هي جمهور الشبكة العنكبوتية غير المحدود.
تحت فكرة العدوى الثقافية تم استنساخ الورشة في أكثر من منتدى، أو صالون ثقافي، يدءا من التحلق حول مائدة بدلا من منصة متعالية في مواجه مستمعين على كراسى في صفوف كأنها تعليمية، إلى تناول الأعمال الأدبية قبل النشر، فيما يشبه الورشة، إلى الاعتماد على كتاب ومبدعين بدلا من النقاد في مناقشة أعمال إبداعية، إلى الصيغة الاحتفالية بإحضار تورتة في الاحتفال بكاتب ما، أو عيد ميلاد أحد الأعضاء، إلى طريقة نشر الأخبار عن الندوات والفعاليات، تم استنساخ منتديات مصغرة من الورشة أو صالونات، وعلى ما في هذه المستنسخات من فوائد كثيرة في التواصل الأدبي، فإنها لا تمتلك نفس العمق ولا ديمومة العمل الثقافي ليظل لورشة الزيتون حضورها الجاد والعميق في الحياة الأدبية.
أحسن المبدع د/ محمد ابراهيم طه فى وصف ورشة الزيتون فهى بحق حالة ثقافية مفرحة ونشطة وفى ظنى ان الثقافة ليست كتاب يُقرأ فقط بل لابد من المشافهة والحوار والتفسير وتبادل الأراء وتلاقح الافكار وهذا ما وجدته فى ورشة الزيتون بقيادة الاستاذ الكبير شعبان يوسف والأساتذة الأفاضل الكتاب والنقاد والقراء عن طريق الاستماع إليهم والحوارمعهم اكتسبت كثير من المهارات - كقارئ - فى قراءة العمل الادبى وتحليله وهذه من رسالات هذا التجمع الثقافى الكبير، وأعتقد انه من أسباب نجاح هذا التجمع الثقافى هوإيمان ا/شعبان يوسف والقائمين معه بالثقافة وبالعمل التطوعى الخادم للثقافة وللمتطلعين الى الثقافة وهو جهد مبارك وموفق ان شاء الله .
ردحذفحبيبي يا استاذ مصطفى فودة، شكرا جزيلا لك يا صديفي
حذفأحسن المبدع د/ محمد ابراهيم طه فى وصف ورشة الزيتون فهى بحق حالة ثقافية مفرحة ونشطة وفى ظنى ان الثقافة ليست كتاب يُقرأ فقط بل لابد من المشافهة والحوار والتفسير وتبادل الأراء وتلاقح الافكار وهذا ما وجدته فى ورشة الزيتون بقيادة الاستاذ الكبير شعبان يوسف والأساتذة الأفاضل الكتاب والنقاد والقراء عن طريق الاستماع إليهم والحوارمعهم اكتسبت كثير من المهارات - كقارئ - فى قراءة العمل الادبى وتحليله وهذه من رسالات هذا التجمع الثقافى الكبير، وأعتقد انه من أسباب نجاح هذا التجمع الثقافى هوإيمان ا/شعبان يوسف والقائمين معه بالثقافة وبالعمل التطوعى الخادم للثقافة وللمتطلعين الى الثقافة وهو جهد مبارك وموفق ان شاء الله
ردحذفمقال رائع و معبر عن أشياء تختلج في نفوس لا أقول كل مبدع و لكن كل من له علاقة بالادب و لو من بعيد.....اولا يكاد كل أفراد و محبي الندوه علي إمتداد مصر يعرف كل منهم الأخر علي الرغم من بعد المسافات و قلة اللقاءات إلا أنه يتابع أخباره فيفرح بفوزه و يتمني له التوفيق.....ثانيا أن الكل يتفاعل و لو من بعيد ليس لشئ الا لوجه الأدب....ثالثا أن الندوة أثمرت نوادي أدبية في قصور الثقافة صحيح هي الأن تنمو ببطئ لكن بثبات......رابعا أن أسر الجامعات الطلابية تستنسخ هذه الورشة من خلال تقليدها مما يعمم التجربه الزيتونية......خامسا أن الأجيال الجديدة تسمع أسماء قامات تم حجبها بعوامل الزمن أو بفعل فاعل هذه الأسماء تعاد الأن لها تاريخها و قيمتها من خلال الورشة كالناقد الكبير أ.إبراهيم فتحي و مجموعة صور المبدعين و صناع تاريخ مصر السياسي و الثقافي من خلال الورشة أو ما ينشره عم شعبان علي صفحته....هذا غيض من فيض.....لكن.......أخيرا و ليس آخرا تحياتنا لهذا الرجل القامة و الهامة و قلب الورشة النابض و مخطط الأحمال و الأوزان الخال و العم و زعيم الشباب الاستاذ شعبان يوسف أبو القمر ميسون.....هذا الرجل النقي الطيب النبيل صاحب الوجه الأبوي و الإبتسامة الطفولية لكل من تعامل معه فنحن مدينون له بالشكر لكل ما قدم و نظم في صمت و حب......رجل يقتص المشاكل و يزرع الياسمين.......وزير الثقافة الشعبي و الملك المتوج و إن أبي المغرضون........ ندعو الله له بالصحة و العافية و بركة العمر ......تحياتي و مودتي لحضرتك د.محمد...و نشاركك لورشتنا نفس الشعور......
ردحذفإرسال تعليق